أحلام صغيرة

تحكى عن هموم المواطن العربى الغير قادر على الوقوف والاعتراض ويكتفى بمدح الحاكم خوفا من بطشة

اليهود فى مصر

د.محمد أبو الغار

 

أهم ما فى كتاب يهود مصر من الازدهار الى الشتات أنه لا ينطلق من تصور جامد وجاهز، فالمؤلف د.محمد أبو الغار كتبه بروح العالم الموضوعى .. ولذلك فهو يقول بحسم إن اليهود المصريين ليسوا كتلة واحدة، فهم ثقافات وتيارات مختلفة ومن أصول عرقية واثنية متنوعة .. وبالتالى كانت مواقفهم مختلفة تجاه إسرائيل ومصر وطنهم .. كما يكشف هذا الكتاب المهم أن هناك يهودا مصريين كانوا ضد الصهيونية وضد إسرائيل وأن نسبة كبيرة منهم لم تهاجر للدولة العبرية .. والأهم أن أحدا لم يجبرهم على الخروج .. فقد كانت مصر وبشهادة نائب الكنيست شلومو كوهين وطنا عظيما لليهود المصريين لولا الأعمال القذرة لإسرائيل والتى دمرت علاقتهم بالشعب والحكومة المصرية.
انقسم اليهود المصريين الى طائفتين، الأولى وهى الأكبر اسمها الربانيين وهى الطائفة التى ينتمى اليها معظم يهود العالم وهم يؤمنون بالتوراة والتلمود وهو شروح الأحبار فى شئون العقيدة والقانون والتاريخ الدينى. أما طائفة اليهود القرائين فهم يؤمنون فقط بالتوراةالعهد القديم ولا يؤمنون بالتلمود. وكان معظمهم فقراء يعيشون فى القاهرة وكانوا عمالا وصنايعية وبعضهم كان يعمل فى الصرافة والتجارة وكانوا يرسلون أولادهم الى المدارس المصرية وكانت لهم صحف منها الكليم التى كانت مهتمة بالأمور الوطنية المصرية وانصهار الطائفة فى النسيج المصرى وقد باءت كل محاولات الصهيونية بتجنيدهم بالفشل.
وبعيدا عن الطوائف فان اليهود المصريين ينقسمون الى سفارديم أى يهود شرقيين عاشوا لفترات طويلة فى بلاد شرقية ومنها مصر واليهود الاشكيناز الذين قدموا من شرقى أوروبا .. ويمكننا أن نقول إن اليهود المصريين - حسب تعريف المؤلف- هم الذين عاشوا فى مصر لقرون طويلة وهم القراءون وبعض الربانيين وهؤلاء هم الذين خرج منهم العمال والحرفيون والبائعون وأصحاب المحلات والملحنون والمغنيون والصحفيون والشعراء والأطباء والمحاسبون وكانت هذه الطائفة اقل تعاطفا مع الحركة الصهيونية وهم لا يختلفون فى عن أى مصرى فى اللغة أو اللكنة أو الشكل أو المظهر ولم يعيشوا فى أى جيتو مثل يهود أوروبا الشرقية .
وقد تعددت هجرات يهود الاشكيناز الى مصر منذ القرن السابع عشر ولم يحاولوا تعلم العربية، فقد كانوا يعتبرون مصر محطة وهؤلاء كانوا رأس الحربة الصهيونية وقلبها النابض ووصفوا يهود مصر بأنهم غير مهتمين بإنشاء الدولة العبرية ويفضلون الحياة مع الشعب المصرى.
وقد عاش اليهود فى مصر بشكل طبيعى جدا وأخذوا وضعا متميزا منذ عهد محمد على وتولوا مناصب مهمة مثل يعقوب مؤسس عائلة قطاوى الذى كان رئيس الصرافين وجامعى الضرائب، أى كان وزيرا للخزانة وكانوا يملكون قبل الثورة ثلثى عدد الشركات المسجلة فى مصلحة الشركات .. وهنا يؤكد أبو الغار أنه ليس صحيحا أن الأغنياء اليهود قامت على أكتافهم دولة إسرائيل ولكن على أكتاف الاشكيناز الأوربيين.
وقد شارك اليهود المصريون فى النشاطات الرأسمالية، فعلى سبيل المثال أسهمت عائلة

شيكوريل مع بعض اليهود فى تأسيس بنك مصر وكان عميدها عضوا فى مجلس إدارته. وكان موسى قطاوى عضوا فى الجمعية التشريعية وفى عام 1925 عين وزيرا للمالية واستقال لأنه أرسل برقية تهنئة بالعيد الى سعد زغلول فغضب الملك .. وكان مجلس طائفة السفارديم تحت رئاسة يوسف قطاوى يتخذ موقفا مضادا للصهيونية وكان عضوا فى اللجنة التى كتبت دستور 1923 وطالب ابنه رينيه الذى تولى رئاسة الطائفة بالاندماج فى المجتمع المصرى. وكان عدد كبير من اليهود ضمن الوفد المصرى فى مباحثات إلغاء الامتيازات الأجنبية منهم المحامى زكى عريبى الذى عينه عبد الناصر فى لجنة وضع الدستور.
أى أن تواجدهم كان طبيعيا فى الحياة المصرية ونشطا فى الاقتصاد ولكن لم يكن لهم نفس الوجود المؤثر فى الثقافة .. وبرز منهم أفراد منهم قليلون مثل يعقوب صنوع المشهور بأبو نظارة وهو من السفارديم وكان الوحيد الذى له وجود شعبى وثقافى وكان ينتقد حتى بعض العادات والحكام والقوى الأجنبية والاحتلال وهو صاحب شعار مصر للمصريين، وكان يفعل ذلك بوصفه مصريا ولو فعل اليهود مثله كما يقول أبو الغار ما حدث لهم ما حدث ولتضامن بقية الشعب.
وبرز فى الموسيقى الملحن الشهير داود حسنى بأغانيه التى نرددها حتى الآن مثل قمر له ليالى . وليلى مراد التى غنت مصر كلها أغانيها ولم يفكر أحد فى أنها يهودية وشقيقها مراد منير كان ملحنا بارزا وتزوج الفنانة سهير البابلى والمخرج المعروف توجو مزراحى وله أفلام مثل سلفنى 3 جنيه ونجمة إبراهيم وكاميليا ونجوى سالم وراقية إبراهيم التى هاجرت الى نيويورك وعملت مترجمة للوفد الاسرائيلى فى الأمم المتحدة.
ويفسر أبو الغار أسباب المساهمة الضعيفة لليهود فى الثقافة المصرية بأن نسبة كبيرة منهم كانت علاقتها اقوى بالثقافة الأوربية وهو ما يفسر أيضا تواجدهم الكثيف فى الحركة الشيوعية، فقد كانوا مطلعين على الكتابات الاشتراكية الأجنبية والتى لم تكن مترجمة الى العربية ولكن أبو الغار ينفى أنهم كانوا الأغلبية، فقد كانت الحركة الشيوعية فى أغلبيتها من المسلمين والأقباط.
وقد بدأت الحركة الصهيونية فى مصر فى نهاية القرن 19 بمجموعة بسيطة من اليهود الاشكيناز وسرعان ما تكونت 14 جمعية أخرى واتحدت عام 1917 واصدروا جريدة بالفرنسية وكان معظم أعضائها من الاشكيناز .. وقاموا بمسيرة من ثلاثة آلاف تحية لوعد بلفور وأرسلوا برقية الى وايزمان وفى الإسكندرية أقاموا مسيرة من 8 آلاف وتكرر الأمر عندما زار حاييم وايزمان رئيس الوفد الصهيونى الإسكندرية. وذهب وفد يهودى ومعه احمد لطفى السيد الى القدس لحضور الاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية، بل وتدخلت الجالية اليهودية لدى الحكومة لمنع الدعاية المؤيدة للفلسطينيين.
ويفسر أبو الغار ذلك بالغموض الذى كان سائدا عن مفهوم الصهيونية حتى أن نائب رئيس الاتحاد الصهيونى ليون كاسترو كان فى نفس الوقت أحد نشطاء ثورة 1919 ضد الإنجليز وكان أحد مساعدى سعد زغلول ، فلم يكن أحد يفطن الى خطورة الصهيونية، ففى عام 1918 حضر حاييم وايزمان على رأس بعثة صهيونية كانت مسافرة الى فلسطين وتم استقباله بحفاوة وقابل شيخ الأزهر الذى تبرع بمائة جنية للمنظمة الصهيونية واهتم بمشروع الجامعة العبرية وقد تبرع اليهود المصريين بإقامة مستعمرة لليهود الألمان فى فلسطين .. وكان هذا على أرضية التعاطف مع ضحايا المحرقة النازية .. فلم يكن أحد يدرك أن إقامة وطن يهودى فى فلسطين يتعارض مع وطنيتهم المصرية.. ولكن الوضع تغير بعد الثورة الفلسطينية عام 1936 .. وعلى هذا ينفى أبو الغار أن اليهود المصريين خانوا وطنهم بالاحتفاء بزعماء الصهيونية لأن هذا هو ما فعله زعماء الأقباط والمسلمون .. فقد كان الجميع يعانون من عدم وضوح الرؤية.
وعندما اتضح الأمر قليلا قام قطاوى باشا والحاخام الأكبر بإنشاء جمعية الشباب المصرى اليهودى وجريدة الشمس اللتين أخذتا تدعوان الى التمصير والحفاظ على الوطن، كما وقف الشيوعيون اليهود المصريون ضد الصهيونية وأسسوا جماعة كان من أعضائها يوسف درويش وشحاته هارون وريمون دويك وغيرهم.
ولكن ذلك لم يؤثر على النشاط الصهيونى الذى كان يمارسه الاشكيناز ولكن الحكومةالمصرية اتخذت موقفا واضحا ضد النشاط الصهيونى فى عام 1944 وأمرت بوقفه وكان المصريون قد فاض بهم الكيل مما يفعلونه فى فلسطين وفى مصر ومنها قتل وزير الدولة البريطانى، فخرجت مظاهرة من الأزهر أحرقت معبد اليهود الاشكيناز وبعض المحلات اليهودية واستنكرت الحكومة وكل فئات المصريين هذه الاعتداءات.
ويفسر أبو الغار العداء اليهودى للصهيونية من جانب السفارديم انهم كانوا يعرفون أن الاشكيناز سيكون لهم المرتبة العليا فى الدولة العبرية .. فلماذا يضحون بوضعهم المتميز فى مصر وهذا ما جعلهم يرسلون الى المؤتمر اليهودى العالمى عام 1944 يطالبون بإقامة وطن لليهود فى غير فلسطين ويحذرون من مخاطر إنشاء إسرائيل على مستقبلهم فى مصر.
وحتى عام 1948 لم يهاجر يهودى مصرى واحد الى فلسطين ولكن مع ازدياد بشاعة ما يفعله الصهاينة ومع ازدياد نشاطهم فى مصر تجددت الاعتداءات على محلات مثل شيكوريل وعدس وحدث انفجار فى حارة اليهود قتل فيه 20 فردا. وهذا المناخ وضع اليهود أمام خيار المواطنة المصرية والانضمام الى تيارها الوطنى أو الانضمام الى الصهيونية. وحدثت بعض التحركات منها أن الملك فاروق أعلن أن اليهود جزء من نسيج مصر وارسل رينيه واصلان قطاوى خطابا للأهرام يؤكدان فيه انهما يهوديان الديانة ومصريان الجنسية وأصدرت الجالية اليهودية فى بور سعيد بيانا تندد فيه بإسرائيل ولكن التوتر لم ينته فقد نسفت وكالة الأنباء اليهودية وانفجرت قنبلة أخرى فى حارة اليهود . صحيح أن الخسائر كانت قليلة وصحيح أن القيادات الشعبية والحكومية استنكرت ما حدث ولكن اليهود لم يحسموا أمرهم تجاه مصر والصهيونية .. ثم إن أوضاعهم اهتزت بعد الاتجاه الى تمصير الوظائف وهو ما دفع فقراء اليهود فيما بعد الى الهجرة الى إسرائيل فلم يكن لديهم المال الكافى لاختيار أى مكان آخر .. والذين كانوا يملكون المال هاجروا الى بلاد أخرى .. ولم تعترض الحكومة على ذلك بل ووافقت على فتح مكاتب للموساد فى القاهرة لتمويل تهجيرهم ووصلت نسبة من هاجروا الى حوالى 25% .
وقد حاولت الثورة بعد قيامها طمأنة الأجانب واليهود ولذلك زار محمد نجيب المعبد اليهودى والمدارس اليهودية وفى عام 1953 تكلم الشيخان احمد حسن الباقورى واحمد طاهر بطريقة انتقادية عن اليهود فى الإذاعة واحتج الحاخام للواء نجيب واعتذر الاثنان رسميا. وكان ذلك قبل التفجيرات التى قام بها الصهاينة فى أماكن متفرقة فى مصر وحطمت علاقة اليهود بالنظام المصرى ولكن الضربة القاتلة كانت بعد 1956 عندما اشتركت إسرائيل فى العدوان على مصر وتم القبض على 280 يهوديا للاشتباه فى نشاطهم الصهيونى وطردهم مع الإنجليز والفرنسيين. واعلن وزير الداخلية وقتها زكريا محى الدين أن من فعلوا ذلك قلة وان معظم اليهود من أبناء مصر وجزء من نسيجها وعاش اليهود بشكل طبيعى جدا ولم يسئ اليهم أحد كما أكدت تقارير السفارة الأمريكية وقتها. وهو ما أكده أيضا نائب الكنيست الإسرائيلى شلومو كوهين فى كتابه حيث أكد أن مصر كانت وطنا عظيما لليهود .. ولكن إسرائيل بعد قيامها أصرت على إنهاء وجود اليهود حتى لا تظهر مصر أمام العالم باعتبارها دولة متسامحة وديمقراطية .. وهو ما أكده عمانويل ماركت المدير الأسبق للمركز الأكاديمى الاسرائيلى مشيرا الى أن أعمال الحكومة الإسرائيلية القذرة -يقصد عملية لافون- هى السبب فى كارثة تدمير علاقة اليهود المصريين بالشعب والحكومة.
ولكن المؤلف يرى أن اليهود كانوا يستطيعون تفادى ما حدث الى حد ما وذلك بتقديم إدانة واضحة لدولة إسرائيل وإعلان مساندتهم للفلسطينيين ولكن بعضهم تحول الى الصهيونية بعد أن قويت شوكة إسرائيل .
ويفسر أبو الغار موقفهم هذا بأن وجودهم فى مصر لم يعد يعطيهم امتيازات واذا أضفت الى ذلك قوانين التأميم التى شملت الأقباط والمسلمين من الأثرياء فقد اصبح وجودهم يساويهم بالمواطن العادى.
وهنا يرصد أبو الغار شيئا غريبا وهو أن ثلثى اليهود المصريين لم يكن لديهم الجنسية رغم سهولة الحصول عليها وربما يكون السبب هو أملهم فى الحصول على جنسية أوروبية رغم صعوبتها وحتى عندما كانت هناك دعوة لتمصير الوظائف وبعد الغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية لم يسارعوا للحصول على الجنسية
 المصرية

 

 



Add a Comment

اشتياق
24 فبراير, 2007 02:38 ص
أخي العزيز يوسف ..
هم اليهود يثبتون أنفسهم أينما ذهبوا .. كنت أعرف بأن بعض الشخصيات اليهودية قد أثرت في اقتصاد مصر مثل شيكوريل وصيدناوي وما الى ذلك وأيضا كانوا يحتكرون تجارة الذهب والمصوغات وكذلك بعض الفنانين الذين نشروا ثقافة أوروبية جديدة في مصر ولكن فوجئت ببعض الفنانين الذي غطت أسمائهم على دياناتهم ..
لا يهم الدين ما دام الوطن يحتوي الجميع ولكنهم لابد وأن يتميزوا لينشروا الفتنة والدمار ويضمرون الخديعة ..
كونهم لم يحصلوا على الجنسية المصرية هذا أكبر دليل لعدم مواطنتهم لمصر ..
لكن ربما يكون لازال هناك في مصر مواطنين مصريين يهود حتى الآن وربما يكنون الأنتما ء لمصر حيث أنني أسمع بأنهم يتجمعوا في حارة تسمى باسمهم ..
بالطبع هم يناصروا قيام دولة اسرائيلية في فلسطين لأعتقادهم الديني بذلك ..
في اعتقادي هم بحر عميق مهما حاولنا التعرف عليه سيظل هناك المزيد ..
بوركت جهودك الطيبة واليك كل تحياتي ..
hagacity
27 فبراير, 2007 02:50 ص
الاخت الغاليه اشتياق
بعد التحية
احببت فى هذه السلسلة ان اوضح ان
هجرة اليهود من اصل عربى قدساعدوا على اقامة دولة الصهاينه فى فلسطين
كل العالم حاول التخلص من اليهود ومساعدتهم للهجره الى فلسطين حتى السويد
لم تقصر فى هذا الشئ
مع تحياتى يوسف
عمرو مامون
20 فبراير, 2008 01:38 ص
باختصار اننا قوما خائنين
وعاملو اهل الكتاب بالتي هي احسن
ولاكن اصبح اليهود ملاعين وفبركو كراهيه الله لهم لنكرههم نحن بدورنا فالمصريون ياساندون حكوماتهم من عصر حتشبسوت .
وكذللك اسانا للمسيحيين واعتبرناهم صليبين وكفار ويجب قتلهم حسب افكار المتعصبين الذين بدورهم فبركو القران والسنه حسب هواهم
واخيرا كفرت الحكومات من تشاء تحت اسم الارهاب والتعصب
للاسف نحن ضحايا لحكامنا وليسو ضحايا امريكا او اسرائيل