أحلام صغيرة

تحكى عن هموم المواطن العربى الغير قادر على الوقوف والاعتراض ويكتفى بمدح الحاكم خوفا من بطشة

من جواسيس "الموساد" في العراق

من جواسيس "الموساد" في العراق

يعقوب جاسم.. عاشق فروزندة *

كان يصطاف على شواطئ بحر قزوين في إيران، فاصطادته "الموساد" وأغرقته في بحور الجنس والمتعة، ورجع إلى العراق جاسوساً خائناً، برفقته زوجة إيرانية مدربة، اتبعت حيلاً عجيبة للإيقاع بالضباط العراقيين، لكشف أسرار المخزن رقم (3) في بغداد، وأسرار الغواصات السوفييتية في منطقة أم قصر. إنها أجرأ عميلة استخدمت سم (السيانيد) لقتل ضحاياها..!!

حصر كل شخص اسمه يعقوب

في يناير 1966 وفي إحدى نقاط العبور على الحدود العراقية الإيرانية، لاحظ ضابط عراقي بعيني خبير مدقق، أن حالة من الارتباك تعتري أحد العابرين، فتقدم منه وسأله عن وثيقة سفره، فازداد ارتباكه، مما شجع الضابط على ضرورة تفتيشه مرة ثانية بدقة. وكانت المفاجأة التي لم تخطر بباله أبداً، إذ اكتشف جيوباً سحرية في قاع حقيبته، مليئة بخرائط لمواقع عسكرية عراقية، وتقارير سرية هامة تمس الجيش والاقتصاد. انهار الجاسوس في الحال، وأخذ يصيح بالفارسية بما معناه أنه مجرد "ناقل" للحقيبة ولا يدري بما بها.

وفي مكتب المخابرات العراقية في بغداد، أنكر معرفته بالشخص الذي سلمه الحقيبة، وقال إنه اعتاد مقابلته بمقهى بشارع هارون الرشيد فيتسلم الحقيبة منه وينصرف كل إلى حاله، دون أن يعرف من هو، أو ماذا بالحقيبة؟!

لم يصدقه ضباط المخابرات بالطبع في بادئ الأمر، وأمام إصراره وتأكيده على أقواله، أدخلوه غرفة خاصة في بدروم المبنى، حيث جرى تعذيبه بقسوة ليعترف فأقر بأنه يعمل لصالح المخابرات "الاسرائيلية"، وتنحصر وظيفته في الذهاب لمقابلة جواسيسها في العراق لاستلام الوثائق والعبور بها إلى إيران. وتكرر هذا الأمر في بغداد تسع مرات إلى أن قبض عليه.

وفي محاولة أخرى لانتزاع أية معلومات "من فجر عبد الله"، حبس في زنزانة انفرادية لعدة أيام بلا طعام أو شراب، وأوهموه بأن حكماً قضائياً سيصدر ضده خلال أيام، وسيعدم لا محالة عملاً بقانون العقوبات العراقي، الذي يعامله معاملة الجاسوس، فاعترف فجر بأنه لا يعرف سوى الاسم الأول فقط للعميل الذي سلمه الحقيبة وهو "يعقوب"، وتذكر اسمه لأنه بينما كانا معاً ذات مرة في مقهى بشارع هارون الرشيد، أقبل أحد الأشخاص وصافحه منادياً عليه باسمه "يعقوب".

أخرج فجر من زنزانته الضيقة إلى أخرى انفرادية أكثر اتساعاً، وعرضوا عليه أن يساعدهم في التعرف على "يعقوب" هذا مقابل أن يصنفوه كشاهد فقط، فوافق فجر على هذا العرض السخي.

ومنذ أن أدلى باسم يعقوب، وكان هناك سباق محموم للتوصل إلى جاسوس "إسرائيل" عن طريق السجلات المدنية، التي تم مسحها بالكامل في كل العراق لحصر الاسم، والحصول على صور لكل "يعقوب" عراقي لعرضها على العميل "الاسرائيلي".

آلاف الصور عرضت عليه مرة واثنين، على مدار عدة أيام، عومل خلالها معاملة حسنة، فأطعم أطايب الأطعمة وألذها، ونام نوماً مريحاً على فراش وثير.

وفي اليوم السابع للبحث في الصور، تعرف فجر على صورة يعقوب يوسف جاسم – 34 عاماً – الموظف بإحدى محطات الكهرباء ببغداد، فعرضوا عليه الصورة مرة أخرى بعد خلطها بصور قريبة الشبه، لكنه تعرف على الصورة نفسها، وفي الحال قامت قوة من رجال المخابرات بمهاجمة منزله وتفتيشه، فعثروا على وثيقة سفره التي تبين أنه سافر إلى إيران عشرات المرات.

وعندما أخبرهم بأنه متزوج من إيرانية، لم يلتفتوا إليه، بل استمروا في التفتيش إلى أن ضبطوا عدة وثائق عسكرية سرية محشورة في "رجل" السرير النحاس، مربوطة بخيط رفيع يتدلى من أعلى "الرجل" الأسطوانية، التي نسي أن يضع عليها غطاءها كالأرجل الثلاثة الأخرى، فألقوا القبض عليه وعلى زوجته الإيرانية "فروزندة وثوقي".

واستمرت عملية التفتيش بدقة متناهية، بمعرفة خبراء المخابرات الفنيين، الذين اكتشفوا مخبأً سرياً في غلاف مجلد كبير عن الشاعر "معروف الرصافي" يحوي رسائل باللغة الفارسية، عبارة عن أوامر من ضابط الارتباط "الاسرائيلي" في ميناء عبادن الإيراني، يطلب منه موافاته بتقارير وأخبار عن الأسلحة السوفييتية الجديدة التي تصل إلى العراق، وكذلك عن الغواصات السوفييتية الكامنة في قاع منطقة "أم قصر" المتاخمة لحدود الكويت، وحظائر طائرات توبولوف – 22 الحربية المهاجمة، وعددها، والمطارات الحربية المتواجدة بها، ومعلومات تفصيلية عن الطائرة ميغ 21 ومطاراتها وعدد طياريها، والخبراء السوفييت في العراق.

صراع السيطرة

وفي مبنى المكتب الثاني – المخابرات- أخضع يعقوب لاستجواب مطول، فأنكر في البداية اشتراك زوجته معه في أعماله التجسسية التي اعترف بها وبعمالته "للموساد"، إلا أن استجواب فروزندة على انفراد أسفر عن اعتراف صريح بدورها في شبكة زوجها، بل وأدلت بأسماء بعض أعضاء الشبكة من العراقيين قبلما يعترف بهم يعقوب.

وكان لسقوط شبكة يعقوب أثر بالغ على المخابرات "الاسرائيلية"، إذ خسرت بسقوطها العديد من أمهر جواسيسها في العراق.

كانت لطمة عنيفة "للموساد" التي لم تتصور أن بالعراق رجال مخابرات أكفاء، لديهم المقدرة على مطاردة الخونة بمثل هذه البراعة، وفضح ممارسات "إسرائيل" والتواطؤ الإيراني معها من أجل زعزعة الأمن في العراق، بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التواطؤ توجهه الولايات المتحدة الأمريكية وتباركه، للحفاظ على مصالحها في الخليج، للحد من التغلغل السوفييتي في المنطقة، خاصة بعد زيارة شاه إيران موسكو في تموز/يوليو 1965، التي أزعجت الإدارة الأمريكية وأربكتها.

لقد كان التوسع في المؤسسة العسكرية في المنطقة سبباً آخر، يضاف إلى الخوف الأمريكي و"الاسرائيلي" معاً، فالتوسع في المؤسسة العسكرية يعني تحديث الجيوش، إدارة، وتسليحاً، وتدريباً، يترتب عليه توسع في الطبقة العسكرية، نظراً لغياب المؤسسات السياسية المدنية، فحتماً ستتحول الطبقة العسكرية إلى فئة ضاغطة سياسياً، وذات ثقل في اتخاذ القرارات.

هكذا كانت النوايا الأمريكية تتجه بزاوية حادة لإجهاض النمو العسكري في المنطقة لعدم التداخل مع مصالحها، والعمل على تأسيس مؤسسات نيابية، وحكم مدني نزيه، يفتح الباب على مصراعيه كي تجد الكفايات المدنية مكانها في السلطة، وفي جهاز القرارات العليا، وإلا فستلقى المنطقة – مع هذا النمو العسكري الحديث – سلسلة من المغامرات والاختبارات المرة، خاصة إذا لم تكن هناك وقاية من عمليات التلقيح السياسي، وزرع روح الاحتراف العسكري وشرفية المهمة العسكرية.

ومنذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالملكية في العراق في 14 تموز/يوليو 1958، والعسكريون يعتلون مقاعد الرئاسة، حيث توالت الانقلابات العسكرية، وظهرت على الساحة وجوه عسكرية لم تلتزم بخط سياسي عام، أو استراتجية مفهومة، مما أقلق الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتفظ بوجود عسكري في الخليج العربي منذ عام 1949، حماية لمصالحها في البحرين والكويت والسعودية، واعتبار الخليج العربي قاعدة شمالية لأسطولها في المحيط الهندي.

وواكب تضاؤل حجم الوجود العسكري البريطاني في المنطقة، تزايد عسكري بحري سوفييتي في المحيط الهندي، مما يستلزم على الولايات المتحدة أن تحافظ على الوجود العسكري الغربي في المنطقة، ذلك أن نصف النفط المستهلك في غرب أوروبا مصدره الخليج العربي. وتعتمد القوات الأمريكية في جنوب شرق آسيا، وقوات حلف الأطلسي على بترول الخليج.

من هنا، فالسيطرة الأمريكية على الخليج العربي أمر حتمي لتنامي مصالحها به، خوفاً من وقوعه تحت سيطرة قوى أخرى مناوئة للغرب، قد تهز ميزان المدفوعات الأوروبي الغربي هزة كبيرة.

ومن جهة أخرى، يسعى الاتحاد السوفييتي إلى السيطرة على منابع الطاقة، ومنتجاتها الرئيسية بالنسبة لأوروبا الشرقية خشية استقلالها اقتصادياً عن الكرملين، وكانت الإمدادات البترولية هي البعد الرئيسي من أبعاد الهيمنة السوفييتية على دول "الكوميكون" أي السوق الاقتصادية لأوروبا الشيوعية.. فحصول السوفييت إذن على دور مؤثر في منطقة الخليج العربي، يعني سيطرتهم على أسواق البترول في أوروبا الشرقية، وبالتالي ضمان ولاء هذه الدول لها.

أدى الصراع بين الدولتين العملاقتين في المنطقة، إلى التنافس الشديد في التواجد الفعلي على أرض الواقع، عسكرياً أو سياسياً، فأغرق السوفييت العراق بالسلاح المتقدم، وملأ الخبراء الروس مدن العراق وشوارعها في تظاهرة شبه استعراضية، بل وتواجدت الغواصات السوفييتية بشكل دائم في المنطقة، وأصبحت إحدى معالم ميناء أم قصر العراقي الملاصق للكويت، حيث نالت البحرية السوفييتية حقوق استخدام التسهيلات المتوافرة هناك.

هذا الصراع المحموم على المصالح، تسبب في جعل منطقة الخليج كقنبلة موقوتة، تهدد بالانفجار، نظراً لوجود نزاع بين إيران والعراق على ترسيم الحدود بينهما في شط العرب، مما دفع إيران إلى تأليب الأكراد على بغداد، فلجأ حكام العراق إلى التقارب مع الأحزاب المعارضة في إيران، ومع الدول العربية المطلة على الخليج، وتشكيل لوبي عربي ضد إيران.

هناك أيضاً نزاع حول تسمية الخليج، فإيران تسميه "الخليج الفارسي" والعرب تطلق عليه "الخليج العربي". لذلك.. نجد أن "إسرائيل" منذ زرعت في المنطقة العربية، سعت لمراقبة النمو المضطرد للجيش العراقي، الذي يسلحه السوفييت بأحدث ما في ترساناتهم العسكرية، وفتحت إيران أبوابها على مصراعيها لضباط "الموساد"، بل وسمحت لهم بالعمل بحرية ضد العراق انطلاقاً من أراضيها.

لقد كانت أيضاً، "كإسرائيل"، تخشى من التسليح العراقي، وحكم بغداد العسكري الذي قد يتعملق ويفرد ذراعيه باتجاه البلدين إيران و"إسرائيل". لذلك فقد كانت العمليات الجاسوسية "الإسرائيلية" في العراق، خير دليل على مدى الخوف من تنامي القوة، ويقظة روح الجهاد لدى جيش العراق وحكامه.

رحلة إلى كوكب آخر

فمنذ ترعرع يعقوب يوسف جاسم، تراوده أحلام العظمة، وهو يعد أقرانه دائماً بأنه سيصبح ذا شأن عظيم في يوم من الأيام.

لكنه تعثر في الدراسة وحصل على الشهادة الإعدادية بشق الأنفس، وبرغم ذلك لم تفارقه أحلامه وهواجسه التي سيطرت على حيز كبير من عقله ومسامراته.

وبعد ما استقر به المقام في عمله بمحطة كهرباء بغداد، استشعر تفاهته، وغامت حوله الرؤى، فالواقع الذي يعيشه لا ينبئ أبداً بضربة حظ قد تقتلع عذاباته، أو تصعد به الى سفوح الوجاهة والعظمة، لذلك استكان يائساً مستسلماً، نافراً من واقعه ومن أحلامه، مودعاً وإلى الأبد مجداً بناه في الخيال.

وذات يوم من أيام أيلول/سبتمبر 1963، حزم حقيبته وعبر الحدود إلى إيران لقضاء أسبوعين على شاطئ بحر قزوين، فهي منطقة تتميز بمناظرها الطبيعية الخلابة، التي تمتد من جبال "البورز" إلى البحر، وتسقط أمطارها صيفاً لتجعل الطقس ندياً رائعاً، حيث شواطئ (أستارا) و(رامر) وموانئ (بندر بهلوي) و(بابلر) و(نوشهر)، فتبدو الأجازة بهذه المنطقة كأنها رحلة إلى كوكب آخر، يتسق فيه لون الماء وخضرة الزروع على درجاتها، فتشكل قطعة فسيفساء جمعت أبهى مظاهر الجمال والرونق.

وحينما وصل يعقوب إلى شاطئ (رامر)، أذهله جمال الفاتنات يرتدين البكيني، ويمرحن على الشاطئ في دلال.. فقبع صامتاً يتأمل ويغرز سهام رغباته في أجسادهن، فتعتريه نوبات من أحلامه السابقة، لكنه سرعان ما يطردها شر طردة.

تحت إحدى المظلات استغرقه تفكير عميق، نأى به عن بانوراما الحسن التي أمامه، حتى أفاق على من يقول له:

"درود برشما، آيا شما إيراني هستيد" – (السلام عليكم، هل أنت إيراني؟)

ارتبك يعقوب أكثر عندما بادره الرجل ثانية:

"أياشما زبان فارسي ميدانيد؟" – (هل تعرف اللغة الفارسية؟)

أجاب يعقوب مرتبكاً:

نه... من عراقي هستم – (لا .. أنا عراقي. أجهل الفارسية)

انفرجت أسارير الرجل في دهشة وأردف:

هلا بك في إيران.

كانت لهجته الشامية بشوشة مرحة، وعرفه بنفسه قائلاً إنه لبناني واسمه "مازن" يقيم في طهران ويعمل بالاستيراد والتصدير، وبعد برهة أقبلت سكرتيرته الإيرانية (زالة) ترتدي المايوه الأورانج، فغاص يعقوب في ارتباكه وهي تصافحه مرحبة، ودعاه مازن إلى العشاء معه بفيلته المطلة على الشاطئ من عل، تحاصرها لوحة فنية من الزهور والأشجار، وتنم رقيقة في حضن الجبل، الذي يبدو في الليل كشلال متدفق من الأضواء الملونة.

كانت الأمور تسير في يسر حيث استقبله مازن بشوش الوجه ومعه آخر يدعى (رماء)، وأقبلت (زالة) كعروس من السماء، بصحبتها إيرانية أخرى تدعى (كوكوش) والاثنتان تتحدثان العربية بطلاقة.

وبعد العشاء دارت الكؤوس وثقلت الرؤوس، وألمح إليه مازن أن (كوكوش) وقعت في هواه، وبدا هذا واضحاً من نظراتها واهتمامها الزائد به، وحينما هم يعقوب بالانصراف إلى الفندق، أصر مازن على أن يبيت معه، وكانت نظرات (كوكوش) المثيرة ترجوه أن يبقى، وجلست إلى جواره تلاطفه فأذهبت بقية ما لديه من وعي، ثم صحبته إلى حجرة علوية، وأغلقت بابها من الداخل، وشرعت في خلع ملابسها قطعة قطعة.

أسقط في يد الأعزب الحالم الثمل، وبينما كان ينزف رجولته، كانت هناك كاميرات تصور وأجهزة تسجل الأحاديث السياسية، وتنقل كل شيء إلى حجرة مازن و(رماء) ضابطي "الموساد".

تكررت السهرات وحفلات الجنس فأيقظت هواجس يعقوب من جديد، عندما عرضت عليه عميلة "الموساد" الانضمام إلى أسرة العاملين بشركة مازن، سألها كيف؟ أجابته بأن الشركة تبحث إقامة فرع آخر ببغداد، ولكي يتحقق ذلك، لا بد من معلومات وافية عن الاقتصاد العراقي وحركة التجارة. وبيده كتب عدة صفحات تتضمن معلومات كثيرة تشمل نواحي اقتصادية تافهة من خلال قراءاته في الصحف، وفوجئ بقبوله للعمل كمدير لفرع بغداد.

لم يصدق يعقوب نفسه، فها هي أحلامه تتحقق أخيراً، وتضحك له الدنيا من جديد، وبدلاً من الجلوس على الشاطئ للاستجمام، جلس كتلميذ مؤدب أمام المعلم مازن يشرب فنون الجاسوسية ودروسها الأولى، واستفسر يعقوب باندهاش عن علاقة الجيش والعسكرية، بشركة تعمل في مجال الاستيراد والتصدير، فأجابه مازن بأن الأسرار العسكرية في العراق مهمة جداً له. فهو لن يجازف بإقامة فرع بغداد طالما كانت هناك "نوايا" معينة لدى حكام العراق!.

لم يقتنع يعقوب بالطبع، لكنه اضطر إلى الإذعان أملاً في رفع شأنه كما كان يحلم منذ صغره.

المخزن رقم (3)

انتهت مهمة (كوكوش) عند هذا الحد، ورحلت إلى طهران بعد انقضاء المرحلة الأساسية، أما يعقوب، فقد عاد إلى بغداد كشخص جديد، متقمصاً دوره كرجل أعمال مهم، بجيبه 1200 دينار عراقي مرتب ثلاثة أشهر مقدماً، وكان وفياً جداً لأستاذه ورئيسه مازن. إذ لم يفصح لمخلوق عن مهمته، أو عما حدث له على شواطئ بحر قزوين، وانخرط في جمع المعلومات عن أحوال السوق العراقية، واتجاهات النمو الاقتصادي في شتى المجالات.

وبعد خمسة أشهر سافر ثانية إلى طهران، يحمل هذه المرة تقارير اقتصادية متنوعة، ويحدوه الأمل في أن يصبح ذات يوم من أشهر رجال التجارة ببغداد حتى إذا ما قابله مازن، عرفه بإيراني اسمه "عبد نابلون"، اصطحبه إلى فندق كبير بشارع (ورزش) شمالي (بارك شهر) في طهران، وشرع في استجلاء ما لديه من أخبار وتقارير.

كان يعقوب يفيض حماساً وهو يشرح لنابلون تفصيلياً عن العراق وانفتاحاته التجارية، مستمداً معظم تقاريره من أبحاث هامة نشرتها الصحف لكبار العقول الاقتصادية وخبراء التجارة.

لكن عندما عرج نابلون إلى الحديث في السياسة والشؤون العسكرية والتسليح، أظهر يعقوب جهله وعدم اهتمامه، حتى إذا ما أحس نابلون بأن الوقت مناسباً تماماً لمهمته، فاجأ يعقوب بالحقيقة. حقيقة أنه يعمل لصالح "الموساد"، ولا بد له من استثمار كل معلومة ولو كانت تافهة، ما دام سيحصل على ثمنها.

صعق يعقوب وتلجم لسانه، بل إنه عجز عن السيطرة على نفسه وقد اندفع بوله ساخناً بين ساقيه. إذ استغل نابلون أسرع طرق السيطرة بواسطة الصدمة الفجائية، الصدمة التي تذهب بالعقل وبالشعور، ويصبح الإنسان لحظتئذ عاجزاً تماماً عن التفكير، أو النهوض، أو المقاومة.

هكذا سقط يعقوب في براثن "الموساد" لا حول له ولا قوة.. حاول أن يفك قيود العنكبوت التي كبلته، لكن نابلون كان واثقاً من نفسه.. ومن قدراته.. ومن مواهبه في الإخضاع لدرجة الطاعة، فالصور العارية والتقارير التي كتبها بخط يده، كفيلة بأن تسكت صدى الرفض عنده لأن الإعدام في بغداد ينتظره إذا لم يذعن، ولم يكن أمام يعقوب إلا الإذعان، ضعفاً، وخضوعاً، وخوفاً، فلم يعد هناك أي مهرب، أو سبيل للفكاك، هكذا تصور.

وجاءت (فروزندة وثوقي) عاملة الفندق – لتقف في طريق العراقي التائه، المضلل. جمالها الرائع شغل عقله، والتصاقها به أيام محنته قربها إليه، فقد كانت هي الملاذ الحنون الذي يحوي انفعالاته، وشجوته، ويمتص غضبة الخوف الجاثم فوق حياته.

لذلك، تحدث معها طويلاً، وصارحها برغبته الملحة في الزواج منها، وساعدته أموال "الموساد" على الارتباط بالفتاة التي دُست عليه، والعودة بها إلى العراق.

وبهذا الزواج فُتحت أمامه أبواب الدخول إلى إيران في أي وقت، وضمن "الموساد" بزواجهما تدفقاً كبيراً في حجم المعلومات التي سيحصل عليها، فالعميلة الزوجة، مدربة تدريباً عالياً على القيام بمهام تجسسية معقدة تعود بالنفع في النهاية على "إسرائيل".

وفي بغداد، بدأ يعقوب يمارس مهمته في استكشاف أسرار الأسلحة التي تزود بها العراق الأردن، أنواعها وأعدادها ووسيلة نقلها إلى عمان، وعجز الجاسوس في بداية الأمر عن التوصل إلى أية معلومات، حتى تقابل مع العريف (نوري سوار) المجند بإحدى القواعد العسكرية، فأغراه بالمال، وبطرق مختلفة حصل منه على قوائم كاملة بالمعدات التي زودت بها الأردن.

وحينما لاحظت (فروزندة) أن زوجها دأب على اصطحاب نوري معه إلى المنزل، بغية استثمار جمالها في تليينه، تعجبت من غبائه، فهو لم يشك للحظة أنها عميلة "للموساد"، وجاهزة للسيطرة على أي عقل يريد وتركته يلجأ إليها شيئاً فشيئاً لتعاونه في مهمته، حينئذ وجدها يعقوب الزوجة المطيعة، التي توافقه رأيه وتشاركه عمله السري.

بدأ الاثنان معاً في البحث عمن يجيء بأسرار المخزن رقم 3 في بغداد، فأمر هذا المخزن حير "الموساد" كثيراً، وفشل جواسيس كثيرون من قبل في استجلاء سره، وكان خطة (فروزندة) تتلخص في التعرف على أحد الضباط العسكريين بطريق الصدفة في شوارع بغداد، عندها، تسأله عن مكان ما بلغة عربية ركيكة، فيضطر الضابط إلى إرشادها، ويحدث بينهما تعارف أثناء السير.

وخرجت (فروزندة) لتتصيد ضحيتها الأولى، وكان ضابطاً برتبة نقيب اسمه (أحمد رافع)، ما إن استوقفته لتسأله عن أحد الشوارع، حتى سارع بمرافقتها بأدب. وخلال الطريق حدث تعارف بينهما، وعندما أوصلها إلى المكان المطلوب، كان زوجها ينتظرها كما خططا لذلك، فشكر الضابط الشاب لشهامته وأصر على أن يقبل دعوته للزيارة.

وبعد أيام طرق رافع الباب ليجد (فروزندة) وحدها، و"ادعت" أن زوجها سافر إلى الموصل لعدة أيام، ولما هم بالانصراف ألحت عليه أن تقدم له واجب الضيافة، وبالفعل، قدمت له جسدها، فتذوق أشهى وجبة من النشوة، غيبت عقله فأدمنها، وكان سرعان ما يحن لوجبة ثانية ثم ثالثة، هكذا أوقعت به في شباكها، فسلمها ملفاً كبيراً يحوي كل أسرار المخزن رقم 3.

كانت مكافأة يعقوب ألفين وخمسمائة دينار، ومثلها (لفروزندة)، أما (أحمد رافع)، فقد أصيب بحالة اكتئاب شديد بعدما أفاق إلى نفسه، وأحس بالجرم الذي اقترفه ضد بلده، وامتنع عن زيارة (فروزندة)، فاستشعرت عميلة "الموساد" الخطر إذا ما تطورت حالته النفسية سوءاً، وأقدم على الانتحار في لحظة ضعف، تاركاً رسالة تقودها حبل المشنقة.

لذلك، أرسل لها "عبد نابلون" بسم (السيانيد) الفتاك، حيث أخذه يعقوب وذهب لزيارته رافع الذي قابله بغضب، فغافله الخائن ووضع له (السيانيد) في العصير، ولما ظهرت أعراض التسمم غادر يعقوب المنزل، وفي اليوم التالي مشى في جنازة ضحيته.

هكذا تفعل "الموساد" مع ضحاياها الذين يتراجعون في التعامل معها، في لحظة صدق يشعرون فيها بوخز الضمير والندم، ففي عالم الجاسوسية لا مشاعر أو عواطف، فالجاسوسية لا تقوم على ضمير أو شرف، ولا تملك قلباً يعرف نبضة رحمة تحكمه خفقات الهوى. لكن، في تاريخ الجاسوسية العالمية، هناك حالات نادرة جداً ثاب فيها الجاسوس إلى رشده، وأصغى لنداء الحب فلبى النداء، فالجاسوسية والحب.. موضوع شيق للبحث والكتابة..!!

الأطراف المرتعشة

بمقتل الطبيب رافع، اطمأن يعقوب وزوجته، وإن نضب معين المعلومات العسكرية لديهما، لذا فكرا في البحث عن ضابط آخر من "الكبار" يسهل إغواؤه.. وتنهمر الأسرار منه.

وبينما العقيد (جاسر عبد الراضي) جالس بسيارته العسكرية المعطلة، في انتظار سائقه الذي يبحث عن سيارة أخرى تجرها، اقتربت منه سيدة فائقة الجمال، تنزلق من عينيها الدموع السخية، وبلغة عربية ركيكة، توسلت إليه السيدة أن يحميها من زوجها العراقي الذي لا يكف عن ضربها، ولأنها إيرانية غريبة لا تعرف ماذا تفعل، طلبت منه مساعدتها لتعود إلى إيران.

غادر الرجل سيارته مشفقاً عليها وقد أدهشه جمالها الأخاذ، ووعدها بأن يصحبها لبيتها ليتحدث مع زوجها، وما إن جاء السائق حتى طلب منه الضابط أن ينصرف بالسيارة، وركب إحدى السيارات الأجرة مع المرأة الباكية.

انكمشت (فروزندة) بجوار الضابط "الشهم" وقد لفها الخوف، تغزو جسدها نظراته العطشى المتأملة، حتى إذا ما وصلا إلى المنزل، قابله يعقوب باحترام شديد وقص عليه حكاية مغلوطة وليدة خطتهما، فتعهد الضابط بحماية المرأة الأجنبية لما رأى خضوع يعقوب له، وأقسم على أن يساعدها في العودة لأهلها إذا ما عاد لسيرته الأولى معها.

لقد اعتقد الضابط أنه "سيطر" على الموقف، لكن دموع (فروزندة) كانت أسلاكاً من فولاذ، كبلت عقله وسيطرت على إرادته، فلم يقو على نسيانها عدة أيام وعاد لزيارتهما، فاختفى يعقوب في مكان لا يراه جاسر، وبدأت (فروزندة) خطوتها الثانية، بأن أكدت له أن وجوده إلى جوارها خفف كثيراً من سلوك زوجها المعوج معها، وشكرته لشهامته في نعومة يلين لها الحديد.

وبعيني أنثى خبيرة، أدركت أنها قطعت خطوة هامة للإيقاع به، فبعد عدة زيارات لم يستطع المقاومة، وأفصح صراحة عن رغبته فيها عندما احتواها بين يديه وبدنه يرتعد كفأر في المصيدة، وأخذ يبثها حبه ووهيامه، متناسياً كل شيء في سبيل الوصول إليها.

لقد باع وطنه على فراشها المتوقد بنيران أنوثتها، ولم يبخل بإفشاء أسرار الجيش العراقي، عندما سلم لعميلي "الموساد" أسراراً خطيرة عن الطائرة السوفييتية (توبولوف – 22)، التي تعد الأحدث قياساً بقاذفة القنابل الأمريكية (ب-52) "التي استخدمت في حرب فيتنام"، كما أمدها بوثائق هامة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي من الذخيرة، وكشوف بأعداد الدبابات (تي 62)، وحصر عام لبنادق (برنو) التشيكية، ورشاشات (دوشكا) و(كلاشيكوف)، وأيضاً رشاشات (سينا) الصينية.

أمدها أيضاً بوثائق أخرى عن نظام الجيش العراقي، وأفرعه، وقياداته، وتشكيلاته، وتسليحه، وكذا خرائط سرية عديدة عن المطارات العسكرية، والقواعد الجوية الاستراتيجية والهيكلية ونظام العمل بها، كل ذلك مقابل جسد (فروزندة) الذي كان يناله في أي وقت، حتى في وجود يعقوب.

كان العقيد جاسر عبد الراضي من أسرة عسكرية، تتزاحم بالمناصب والرتب، لذلك.. كان يفخر دائماً بأنه يعلم بأسرار الجيش العراقي، حيث تصب كلها أمامه من خلال أقاربه العسكريين وزملائه في المواقع المختلفة.

لقد اكتشفت فيه (فروزندة) حبه الشديد للتباهي بنفسه، والتفاخر بمنصبه العسكري في الدفاع الجوي، وإدمانه للخمر والقمار والجنس، ولأجل ذلك، فهو ينفق راتبه على نزواته ويعيش دائماً مديوناً.. هارباً من دائنيه.

اكتشفت فيه أيضاً ما هو أهم من ذلك، قلة وازعه الوطني، وسخطه على الحياة في العراق، يترجم ذلك سبه الدائم لقيادات حكومته، وانتقاده العنيف لهم.

لقد برهن بما لا يدع مجالاً للشك، على عدم ولائه لوطنه، واستعداده لعمل المستحيل لأجل عيون عشيقته التي أعطته أنوثتها بسخاء فأسكرته، ومنحته من المال الكثير فأنعشته.

ونظراً لزواجه من إيرانية، اعتاد يعقوب السفر إلى إيران مطمئناً، حاملاً معه أدق الوثائق العسكرية السرية، خلافاً لوثائق أخرى كان يجلبها له عميل آخر اسمه عزاوي الجبوري.

هكذا استمر يعقوب يوسف جاسم يعمل في خدمة "الموساد" بمعاونة زوجته، مندفعاً بكل طاقته غير عابئ بالعواقب، تخيم على عقله غيمة كاذبة من الوهم والثقة، حتى ألقي القبض على أعضاء الشبكات التسع في كانون الثاني/يناير 1966، ساعتئذ، ارتجت دعائم ثقته وغامت الحياة من حوله، فأحجم من فوره عن حمل حقيبة الوثائق إلى إيران، وانكمش مذعوراً يترقب مصيره المجهول، أما (فروزندة)، فقد أنهكها التوتر والخوف، وفكرت، بل ألحت على يعقوب أن يتركها لتغادر إلى وطنها، لكنه رفض بحسم، فقد كان بحاجة إلى رفيق يؤازره، ويشاطره مخاوفه، وارتعاشة الأطراف لحظة الشنق.

ولما ينس رجال "الموساد" في الوصول إلى يعقوب وزوجته، أرسلوا إليهما بعميلهم "فجر عبد الله"، الذي ألقى القبض عليه صدفة، فأرشد عن يعقوب عندما تعرف إلى صورته التي عرضت عليه بواسطة رجال المخابرات العراقيين.

ففي فجر اليوم الثاني من شباط/فبراير 1966، وبينما يعقوب و(فروزندة) بحجرة نومهما، متكورين في هلع لا حول لهما ولا قوة، تطرق إلى سمعهما وقع عشرات الأقدام تحيط بالمنزل.

هبت (فروزندة) مذعورة إلى أحد الأدراج، وفي اللحظة التي تهشمت فيها الأبواب ودخول سيل من الرجال، ابتلعت (فروزندة) كل ما بقي في أنبوب سم (السيانيد). أما يعقوب، فكان مستسلماً للقيود الحديدية التي كبلت معصميه، ينظر إلى (فروزندرة) هلعاً وقد جحظت عيناها، وارتعشت أطرافها قبلما تهوى إلى الأرض.

هكذا نفذت العميلة حكم الإعدام في نفسها قبل محاكمتها، وأتاحت بذلك الفرصة لشريكها أن يرى بنفسه ارتعاشة الموت، فقد لا يسعفه الحظ ليرى ارتعاشتها وهي تتدلى من حبل المشنقة.

وهذا ما كان بالفعل، إذ نفذ حكم الإعدام في يعقوب شنقاً بسجن بغداد المركزي في كانون الأول/ديسمبر 1966، بعد محاكمة استمرت عشرة أشهر، اعترف أثناءها تفصيلياً بدوره في التجسس مع شركائه لصالح "الموساد"، وأبدى ندمه الشديد لذلك، وجاء اعترافه بالندم في لحظة حاسمة ما بين الجد والهزل، فالخونة في كل زمان ومكان، خونة لا أمان ولا عهد لهم.

أما عزاوي الجبوري، فقد ألقى القبض عليه فاراً بالقرب من منفذ العبور إلى الأردن، وكان هو الذي شهد ارتعاشة أطراف زعيمه يعقوب على حبل المشنقة، بدلاً من (فروزندة).

لكن العقيد جاسر عبد الراضي، أنقذ جسده من رصاصات منفذي حكم الإعدام، إذ وفر عليهم مهمتهم، وانتحر هو برصاص مسدسه الميري في كراج منزله، ونال "فجر عبد الله" حكماً بالأشغال الشاقة المؤبدة، بعدما رفضت السلطات العراقية تخفيف الحكم على العميل "الاسرائيلي"، حيث طلبت إيران ذلك رسمياً من العراق.

وبذلك، تفككت شبكات الجاسوسية "الإسرائيلية"، وانحصر نشاط "الموساد" في العراق في تقوية شبكات محلية أخرى، جرى تدريبها وتثبيتها لتحل محل الشبكات التي سقطت، لتستمر حرب المخابرات في اندفاع مستمر لا يتوقف.

* نقلاً عن موقع http://www.fosta.net/spy


 



Add a Comment